السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
328
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الشفاعة كما ينطبق على نظام الدعاء والمسألة ، قال تعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( الرحمن / 29 ) ، وقال تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ( إبراهيم / 34 ) ، وقد مر بيانه في تفسير قوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي ( البقرة / 186 ) . قوله تعالى : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ، سياق الجملة مع مسبوقيتها بأمر الشفاعة يقرب من سياق قوله تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( الأنبياء / 28 ) ، فالظاهر أن ضمير الجمع الغائب راجع إلى الشفعاء الذي تدل عليه الجملة السابقة معنى فعلمه تعالى بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن كمال احاطته بهم ، فلا يقدرون بواسطة هذه الشفاعة والتوسط المأذون فيه على انفاذ امر لا يريده اللّه سبحانه ولا يرضى به في ملكه ، ولا يقدر غيرهم أيضا ان يستفيد سوءا من شفاعتهم ووساطتهم فيداخل في ملكه تعالى فيفعل فيه ما لم يقدره . وإلى نظير هذا المعنى يدل قوله تعالى : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( مريم / 64 ) ، وقوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( الجن / 28 ) ، فإن الآيات تبين إحاطته تعالى بالملائكة والأنبياء لئلا يقع منهم ما لم يرده ، ولا يتنزلوا إلا بأمره ، ولا يبلغوا إلا ما يشاؤه . وعلى ما بيناه فالمراد بما بين أيديهم : ما هو حاضر مشهود معهم ، وبما خلفهم : ما هو غائب عنهم بعيد منهم كالمستقبل من حالهم ، ويؤول المعنى إلى الشهادة والغيب . وبالجملة قوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ، كناية عن إحاطته تعالى بما هو حاضر